محمد هادي معرفة
109
التمهيد في علوم القرآن
وقال الصدوق - رحمه اللّه - : اتفق مشايخنا على أنّها ليلة ثلاث وعشرين « 1 » . والكلام في تعين ليلة القدر ليس من مبحثنا الآن ، وانّما يهمّنا التعرّض لجوانب من هذا التحديد ، أي نزول القرآن في ليلة واحدة - هي ليلة القدر - من شهر رمضان . أوّلا : منافاته - ظاهرا - مع ما أسلفناه من اتفاق الإماميّة وعدد من أحاديث غيرهم ، على أنّ البعثة كانت في رجب ، ولا شكّ أنّ البعثة كانت مقرونة بنزول آي من القرآن : خمس آيات من أوّل سورة العلق . فكيف يتمّ ذلك مع القول بنزول القرآن - كلّه أو بدء نزوله - في شهر رمضان في ليلة القدر ؟ ثانيا : ما ذا يكون المقصود من نزول القرآن في ليلة واحدة هي ليلة القدر ؟ هل نزل القرآن كلّه جملة واحدة تلك الليلة ؟ مع العلم أنّ القرآن نزل نجوما لفترة عشرين أو ثلاث وعشرين عاما ، حسب المناسبات والظروف المختلفة ، ودعيت باسم « أسباب النزول » ، فكيف ذلك ؟ ثالثا : ما هي أوّل آية أو سورة نزلت من القرآن ، فإن كانت هي سورة العلق أو آي منها ، فلم سمّيت سورة الحمد بفاتحة الكتاب ؟ إذ ليس المعنى : أنّها كتبت في بدء المصحف ! لأنّ هذا الترتيب شيء حصل بعد وفاة النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) أو لا أقل في عهد متأخّر من حياته - فرضا - في حين أنّها كانت تسمّى بفاتحة الكتاب منذ بداية نزولها : « لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب » « 2 » حديث مأثور عن لسان النبي ( صلى اللّه عليه وآله ) ! وللإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة - بصورة إجمالية - نقول : إنّ بدء البعثة يختلف عن بدء نزول القرآن ككتاب سماويّ . لأنّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) نبّئ ولم يؤمر بالتبليغ العام إلّا بعد ثلاث سنوات ، كان خلالها يدعو في اختفاء حتى نزلت الآية : « فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ » « 3 » . ومن هذا
--> ( 1 ) الخصال : ج 2 ص 102 . ( 2 ) صحيح مسلم : ج 2 ص 9 ومنتخب كنز العمال بهامش المسند : ج 3 ص 180 . ( 3 ) الحجر : 94 .